عودة احتفل بقداس ختانة يسوع ورأس السنة ونوه بإنجازات الحكومة أملنا أن تتابع ما تخلفت عن تحقيقه وأن تحكم الدولة قبضتها على أرضها ومؤسساتها وتعتمد المساءلة والمحاسبة


ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس في ساحة النجمة. وبعد الإنجيل ألقى عظة “بمناسبة ذكرى ختانة ربنا يسوع المسيح بالجسد وتذكار أبينا الجليل في القديسين باسيليوس الكبير ورأس السنة”، وقال فيها: “تضعنا الكنيسة اليوم عند عتبة سر عميق، حيث يلتقي الزمان بالأبدية، والشريعة بالنعمة، وبداية العام الميلادي الجديد بسر ختان ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. كما نقيم اليوم تذكار القديس باسيليوس الكبير، أحد أعمدة الإيمان القويم. هذا العيد لا يدعونا فقط إلى التذكر، بل إلى التأمل والفهم والتجدد والمسؤولية، في عالم متعب، وفي وطن مجروح كلبنان. يقدم لنا الإنجيلي لوقا، في وصفه مشاهد من طفولة الرب يسوع، صورة متكاملة عن دخول ابن الله في تاريخ الإنسان. فالرعاة، بعد أن عاينوا السر «رجعوا وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوا وعاينوا» (لو 2: 20). إنهم أول شهود للفرح، لأنهم قبلوا الكلمة ببساطة القلب.
ثم يشهد الإنجيلي أن «الصبي كان ينمو ويتقوى بالروح، ممتلئا حكمة، وكانت نعمة الله عليه» (2: 40). أخيرا، في الهيكل، نراه جالسا في وسط المعلمين، يسمعهم ويسألهم، وكان خاضعا لوالديه بحسب الجسد، «وكان يتقدم في الحكمة والسن والنعمة عند الله والناس» (2: 52)”.
أضاف: “لا تصف هذه الآيات مجرد نمو بيولوجي، بل تنقل إعلانا لاهوتيا عميقا، أن كلمة الله لم يخلص الإنسان من خارج تاريخه، بل دخل نموه وزمنه وتعلمه وطاعته. بختانته في اليوم الثامن، يخضع الرب يسوع للشريعة، ليس لأنه محتاج إليها، بل لكي يتممها ويقدسها. يقول القديس إيريناوس: «صار ما نحن عليه، لكي يجعلنا ما هو عليه». فالختان الذي كان علامة عهد في الجسد، يصير في المسيح بداية عهد جديد، ينقل فيه الإنسان من الحرف إلى الروح. هذا ما يعلمه بولس الرسول بوضوح في رسالته إلى أهل كولوسي، حين يربط بين ختان المسيح والمعمودية، قائلا: « فيه ختنتم ختانا ليس من عمل الأيدي، بل بخلع جسم خطايا البشرية عنكم، بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أقمتم أيضا معه» (2: 11–12). إنه انتقال من قطع جزء من الجسد إلى قطع الخطيئة من القلب، ومن علامة خارجية إلى حياة جديدة في المسيح.
هنا تكمن دعوة هذا العيد في مطلع العام الجديد، أن نختن قلوبنا، فنقطع منها كل ما يشوه صورة الله فينا”.
وتابع: “منذ قايين، وحده الإنسان من بين كافة الخلائق لطخ نقاوة الصورة التي خلق عليها. فهو يحسد، يحقد، يحتقر، يستعبد ويقتل. الإنسان صانع حروب يكذب ويعنف ويبيد. كل ذلك من أجل سلطة أو حفنة قروش. في مناسبة بداية العام، ليراجع كل منا شريط حياته في السنة الماضية، وليتأمل أخطاءه ويتعلم منها. على من يضمر السوء لأخيه أن يطهر قلبه من كل شر، جاعلا ليسوع مكانا في قلبه. ومن يستغل أخاه أو يظلمه أو يشهر به مدفوعا بحقد لا أساس له أو حسد لا مسبب له، ليعلم أن الله يوزع المواهب ويقسم الوزنات ويعطي كل إنسان بقدر طاقته واستحقاقه. المهم أن يثمر الإنسان وزناته ويلتفت إلى نفسه ويعمل بنزاهة وصدق دون الحكم على الآخر أو إدانته «لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم» (متى 7: 2).
أما من يشن الحروب عابثا بحياة الناس ومصيرهم فليتذكر أن الله وحده معطي الحياة وسيدها، وأن على الإنسان أن يحافظ على الحياة ويصونها. فلنختن ألسنتنا من كل كلام مؤذ، وأفكارنا من كل فكر شرير، وقلوبنا من كل ما يمنعنا عن محبة الأخ واحترامه. يعلمنا الآباء القديسون أن ختان القلب ليس فعلا في مناسبة، بل مسيرة جهاد ونمو. الرب يسوع نفسه «كان ينمو». لم يحتقر الزمن بل قدسه، ولم يلغ الطبيعة بل شفاها. يقول القديس أثناسيوس الكبير: «ما لم يتخذه المسيح لم يشف». وهو قد اتخذ الزمن والجسد والعقل والعلاقة بالخليقة، ليعيدها كلها إلى قصدها الأول. لذلك بداية السنة هي دعوة إلى أن ننمو نحن أيضا في الحكمة والنعمة، لا في الثروة والمجد الأرضي”.
وقال: “اليوم، تضع الكنيسة أمامنا أيضا مثال القديس باسيليوس الكبير، الذي جسد هذا النمو الروحي في الفكر والعمل معا. لم يكن لاهوته منفصلا عن الحياة، ولا عبادته منفصلة عن مسؤوليته تجاه الإنسان والخليقة. يقول: «الخبز الذي تخبئه هو للجائع، والثوب الذي تحفظه في خزانتك هو للعريان». كما يؤكد في موضع آخر أن الإنسان ليس سيد الخليقة المطلق، بل وكيل وأمين على ما أعطي له. هذا التعليم الآبائي يكلم إنسان اليوم بقوة، في زمن تتعرض فيه البيئة للإستنزاف والتشويه. فالأرض، بحسب إيماننا الأرثوذكسي، ليست مادة بلا معنى، بل هي خليقة صالحة باركها الله وسلمها للإنسان ليحرثها ويحفظها. إن الإهمال والتلوث والتعدي على الطبيعة ليست قضايا ثانوية، إنما تعبير عن خلل روحي وأخلاقي، لأنها نابعة من عقلية الإستهلاك والأنانية، لا من روح الشكر والتمجيد. في وطننا لبنان، حيث نختبر يوميا نتائج سوء الإدارة، والفساد، والإعتداء على الأرض والبحر والهواء، تصبح رسالة هذا العيد أكثر إلحاحا.
فالسنة الجديدة لن تغير شيئا إن لم نتغير نحن. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: «ليس الزمن هو الذي يصنع الفضيلة، بل الإرادة التي تعمل فيه». إن استثمرنا الزمن في التوبة والعمل الصالح وحفظ ما تبقى من خيرات هذا الوطن، صار العام الجديد زمن خلاص، لا مجرد استمرار للألم. فلنبدأ هذا العام كما فعل الرعاة: بالتمجيد والشكر. ولننم فيه كما نما المسيح: في الحكمة، أي في التمييز الروحي، وفي القامة، أي في الثبات والنضج، وفي النعمة، أي في العلاقة الحية مع الله والناس. ولنحمل معنا روح القديس باسيليوس، فنربط إيماننا بالمسؤولية، وصلاتنا بالفعل، ومحبتنا لله بحفظ عطاياه”.
أضاف: “لنشكر الله على كل ما أعطانا خلال العام المنصرم، وما يعطينا كل يوم من نعم وعطايا. فبعد فراغ دام طويلا تم انتخاب رئيس للجمهورية، كما شكلت حكومة حاولت العمل بجدية في جو مضطرب ومنطقة تغلي. قراراتها لم ترض الجميع، وحلولها لم تشمل كل نواحي الحياة، وآمال اللبنانيين لم تتحقق كلها، لكن التفاؤل أفضل من النظرة السوداوية، ورؤية الإيجابيات، ولو كانت غير كافية، أفضل من النقد العقيم. يكفي أن هذه الحكومة حاولت سد ثغرات لم تعالج قبلا، وإجراء تعيينات طال انتظارها، وإقرار مشاريع ولو غير مثالية، وغيرها مما قامت به خلال العام الماضي. أملنا أن تتابع في العام القادم ما تخلفت عن تحقيقه وأن تتخذ الخطوات الضرورية لإعادة الإعتبار إلى كافة المؤسسات، واحترام الإستحقاقات، وإيجاد حل عادل لودائع اللبنانيين ولمشاكل السير وللمشاكل الإجتماعية والإقتصادية وغيرها مما يهم المواطنين.
أملنا أن تحكم الدولة قبضتها على أرضها ومؤسساتها ومرافقها، وتعتمد المساءلة والمحاسبة لكي لا يبقى فساد أو إستغلال أو ظلم، وأن تعيد المهجرين إلى بيوتهم، والمخطوفين إلى ذويهم والطمأنينة إلى القلوب”.
وختم: “نصلي كي يلهم الرب الإله المسؤولين من أجل القيام بالإصلاحات الضرورية واتخاذ القرارات الحكيمة التي تحيي الأمل في النفوس، والثقة بالبلد، وتعيد من غادروا إلى أرضهم. كما نصلي كي يمنحنا الرب في هذا العام الجديد قلبا مختونا بالنعمة، وعقلا مستنيرا بالحق، ويدين أمينتين تحفظان الأرض والإنسان معا، لكي يكون لبنان، رغم جراحه، أرض رجاء وشهادة لمجد الله”.
تنويه من موقعنا
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
yalebnan.org
بتاريخ: 2026-01-01 13:41:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقعنا والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.



