اقتصاد

لبنان تحت ضغط المعيشة: الأسعار تقفز بأكثر من 400% منذ مطلع 2023 والتعليم والنقل والعقار في قلب الأزمة

لم تعد أزمة المعيشة في لبنان تُقاس فقط بسعر صفيحة البنزين أو فاتورة السوبرماركت. فمع انطلاق العام الدراسي وسط ظروف استثنائية، وارتفاع كلفة انتقال الموظفين، وتراجع حركة المبيعات العقارية، تتجمع المؤشرات لتكشف حجم التحول الذي أصاب ميزانية الأسرة اللبنانية خلال أقل من أربع سنوات.

والرقم الأبرز يظهر عند مقارنة مستوى الأسعار ببداية عام 2023. فكلفة سلة الاستهلاك التي كانت تساوي 100 تقريباً عند دخول ذلك العام باتت تقترب، وفق حساب مبني على مؤشر أسعار الاستهلاك، من خمسة أضعاف ذلك المستوى بحلول آب 2026.

وباعتماد كانون الأول 2022 كنقطة أساس، يكون المستوى العام للأسعار قد ارتفع بنحو 410% حتى آب 2026، أي أن الأسعار أصبحت في المتوسط أكثر من خمسة أضعاف مستواها عشية 2023.

لكن هذا الرقم يحتاج إلى تفسير دقيق: إنه ارتفاع تراكمي في مستوى الأسعار وليس معدل تضخم سنوياً، كما أنه لا ينتج عن جمع نسب التضخم السنوية ببساطة.

من 2,045 إلى نحو 10,446 نقطة

بحسب بيانات مؤشر أسعار الاستهلاك، بلغ المؤشر في كانون الأول 2022 نحو 2,045.46 نقطة، قبل أن يرتفع إلى نحو 2,217.99 نقطة في كانون الثاني 2023.

وبحلول تموز 2026، وصل المؤشر إلى نحو 10,301.8 نقطة، ثم سجلت إدارة الإحصاء المركزي ارتفاعاً شهرياً إضافياً نسبته 1.40% في آب، ما يضع المستوى حسابياً قرب 10,446 نقطة.

وعليه تصبح المعادلة:

(10,446 ÷ 2,045.46 – 1) × 100 = نحو 410.7%

وبلغة أبسط، فإن سلة من السلع والخدمات كانت تكلف مليون ليرة في نهاية 2022 أصبحت تحتاج نظرياً إلى نحو 5.1 ملايين ليرة لشراء الكمية نفسها، إذا تحركت أسعار مكوناتها تماماً مع المؤشر العام.

أما إذا اعتمدنا كانون الثاني 2023 نفسه نقطة البداية بدلاً من كانون الأول 2022، فتكون الزيادة حتى آب 2026 في حدود 371%.

وهذا التفريق ضروري عند الحديث عن «غلاء المعيشة منذ 2023»، حتى لا تتحول المقارنة إلى رقم مضلل.

2023.. عام الانفجار الكبير للأسعار

لم يحدث هذا الارتفاع بالتساوي خلال السنوات الأربع.

ففي عام 2023 بلغ متوسط التضخم السنوي نحو 221.3%، فيما كان مستوى الأسعار في كانون الأول 2023 أعلى بنحو 192.3% مقارنة بكانون الأول 2022.

وتكشف تفاصيل ذلك العام حجم الصدمة التي أصابت الأسر. فقد ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية بنحو 207.6% على أساس سنوي في كانون الأول 2023، والنقل بنحو 123.9%، والصحة بنحو 173.6%، بينما سجل بند التعليم قفزة قاربت 595.2%.

بعد ذلك تباطأت وتيرة ارتفاع الأسعار، لكنها لم تعد إلى مستوياتها السابقة. بلغ متوسط التضخم نحو 45.24% في 2024، ثم قرابة 14.6% في 2025.

أما أحدث رقم رسمي متاح فيظهر أن التضخم السنوي بلغ 16.66% في آب 2026 مقارنة بآب 2025، فيما ارتفعت الأسعار 1.40% خلال شهر واحد.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط التي تسبب التباساً في قراءة الأزمة اللبنانية: انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار.

فالأسعار يمكن أن تستمر في الارتفاع بينما يتراجع التضخم، لأن الذي يتراجع هو سرعة الارتفاع لا المستوى الذي وصلت إليه الأسعار.

بدل النقل.. زيادة 60% للحاق بالمحروقات

تقدم كلفة الانتقال مثالاً مباشراً على الفجوة بين الدخل والمصروف.

كان بدل النقل اليومي محدداً عند 450 ألف ليرة، ما يعادل 9.9 ملايين ليرة شهرياً لموظف يعمل 22 يوماً.

ومع ارتفاع أسعار المحروقات، تراجعت القدرة الفعلية لهذا المبلغ على تغطية الانتقال، إذ أصبحت الـ450 ألف ليرة تغطي كمية أقل بكثير من البنزين مقارنة بالفترة التي اعتُمد فيها البدل.

وفي 28 أيلول، أُعلن عن اتفاق بين الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية لرفع بدل النقل إلى ما يعادل خمسة ليترات من البنزين يومياً، أي نحو 720 ألف ليرة يومياً وفق السعر المستخدم في الاتفاق، على أن يستكمل الإجراء مساره القانوني.

وباحتساب 22 يوم عمل، تصبح الكلفة:

البدل الحالي: 9.9 ملايين ليرة شهرياً.

البدل المقترح: 15.84 مليون ليرة شهرياً.

أي بزيادة تقارب 60%.

لكن هذه الزيادة لا تعني تحسناً بنسبة 60% في مستوى معيشة الموظف؛ فهي في جوهرها محاولة لتعويض جزء من ارتفاع كلفة الوصول إلى مكان العمل.

المدارس.. عندما تتحول أزمة الدخل إلى أزمة تعليم

تظهر الضغوط بصورة أكثر حساسية مع العام الدراسي 2026-2027.

فالمشكلة لم تعد مرتبطة بالأقساط وحدها. وزارة التربية ربطت إمكان التعليم الحضوري بواقع كل مدرسة وشروط السلامة والقدرة التشغيلية، مع إمكان اعتماد التعليم المدمج أو التعليم عن بُعد عندما يتعذر الحضور.

وتكشف تقديرات اليونيسف المنشورة في أيلول حجم الضغط الإضافي على القطاع، مع نزوح أكثر من مليون شخص، بينهم نحو 390 ألف طفل، فيما أظهر تقييم أولي تضرر أو تدمير نحو 340 مدرسة.

وفي المقابل، تواجه أسر كثيرة صعوبة في تحمل أقساط التعليم الخاص إلى جانب الكتب والقرطاسية والملابس والنقل، في اقتصاد أصبحت فيه أجزاء كبيرة من النفقات مرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالدولار.

وهكذا تجد الأسرة نفسها أمام معادلة قاسية: المدرسة الخاصة أصبحت فوق قدرة شريحة من اللبنانيين، بينما التعليم الرسمي نفسه يتحمل ضغوطاً مالية وتشغيلية واستثنائية متزايدة.

العقارات.. تراجع المعاملات بنحو 24%

ولا تتوقف إشارات الضغط الاقتصادي عند الاستهلاك اليومي.

فحتى نهاية آب 2026، انخفض عدد معاملات المبيع العقاري في لبنان بنحو 23.75% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، من 45,313 معاملة إلى 34,549 معاملة.

أما القيمة الإجمالية للمعاملات فتراجعت بنحو 3.76% إلى حوالي 335.11 تريليون ليرة، أي قرابة 3.74 مليارات دولار.

وفي آب وحده بلغ عدد المعاملات نحو 5,145 معاملة، بينما تراجعت قيمتها الشهرية 20.93% مقارنة بتموز، وانخفض متوسط قيمة المعاملة 18.42% إلى نحو 96.6 ألف دولار.

ولا تعني هذه المؤشرات أن أسعار العقارات نفسها انخفضت بالنسبة ذاتها، لكنها تكشف بوضوح انكماش نشاط البيع والسيولة العقارية.

كم تحتاج الأسرة اللبنانية شهرياً؟

هنا تتحول الأرقام الاقتصادية إلى السؤال الأكثر ارتباطاً بحياة اللبنانيين:

كم يجب أن يكون دخل الأسرة اليوم حتى تستطيع العيش؟

أحد أحدث التقديرات المنشورة عن «الدولية للمعلومات» يضع كلفة معيشة أسرة لبنانية مؤلفة من أربعة أفراد بين 890 و1,426 دولاراً شهرياً، بمتوسط يقارب 1,157 دولاراً.

ويشمل التقدير الغذاء والسكن والكهرباء والمياه والاتصالات والنقل والتعليم ونفقات أساسية أخرى، لكنه لا يشمل بعض البنود الثقيلة، وفي مقدمها الطبابة والاستشفاء والتدفئة، ما يعني أن الإنفاق الفعلي يمكن أن يكون أعلى بكثير بالنسبة إلى بعض الأسر.

وباحتساب الدولار عند نحو 89,500 ليرة، فإن متوسط 1,157 دولاراً يعادل قرابة:

103.6 ملايين ليرة شهرياً.

وتصبح مستويات الكلفة التقريبية لأسرة من أربعة أفراد على الشكل الآتي:

890 دولاراً، أو نحو 79.7 مليون ليرة: الحد الأدنى في نطاق التقدير.

1,157 دولاراً، أو نحو 103.6 ملايين ليرة: متوسط كلفة المعيشة المقدرة.

1,426 دولاراً، أو نحو 127.6 مليون ليرة: الحد الأعلى ضمن نطاق النفقات الأساسية المقدرة.

واللافت أن التقدير نفسه كان يضع كلفة الأسرة عند نحو 898 دولاراً في بداية 2026 قبل ارتفاعها إلى 1,157 دولاراً، أي بزيادة تقارب 28.8% خلال أشهر.

راتبان بالحد الأدنى لا يكفيان

تظهر الفجوة بصورة أكثر حدة عند وضع هذه الكلفة مقابل الأجور.

فالحد الأدنى الرسمي للأجور يبلغ 28 مليون ليرة شهرياً، أي نحو 313 دولاراً عند سعر صرف 89,500 ليرة.

وهذا يعني أن متوسط كلفة الأسرة البالغ 103.6 ملايين ليرة يعادل نحو 3.7 أضعاف الحد الأدنى للأجور.

بل إن وجود شخصين يعملان داخل الأسرة ويتقاضي كل منهما الحد الأدنى يعطي دخلاً إجمالياً يبلغ:

56 مليون ليرة شهرياً، أي نحو 626 دولاراً.

وهذا لا يغطي سوى نحو 54% من متوسط كلفة المعيشة المقدرة لأسرة من أربعة أفراد.

وتبقى هناك فجوة شهرية تقارب:

47.6 مليون ليرة، أو نحو 532 دولاراً.

أي أن أسرة فيها عاملان يتقاضيان الحد الأدنى تحتاج عملياً إلى دخل إضافي يكاد يوازي راتبين آخرين عند الحد الأدنى كي تصل فقط إلى متوسط الكلفة الأساسية المقدرة.

1,200 دولار للحد الأساسي.. وأكثر لحياة مستقرة

وبناء على هذه الأرقام، يمكن رسم صورة أكثر واقعية للدخل المطلوب.

أسرة من أربعة أفراد تحتاج حالياً إلى دخل يقارب 1,150 إلى 1,200 دولار شهرياً، أي نحو 103 إلى 107 ملايين ليرة، لتغطية مستوى أساسي من المعيشة وفق التقديرات المنشورة.

لكن هذا المستوى لا يعني بالضرورة حياة مستقرة مالياً.

فإذا أضيفت الطبابة والاستشفاء، أو مدرسة خاصة مرتفعة الكلفة، أو إيجار مرتفع، أو صيانة السيارة والمنزل، أو حالات الطوارئ، أو حتى هامش بسيط للادخار، فإن دخل الأسرة المطلوب يمكن أن يتجاوز 1,500 دولار شهرياً.

أما نطاق 1,500 إلى 2,000 دولار شهرياً، أي نحو 134 إلى 179 مليون ليرة، فيوفر هامشاً أوسع لمواجهة هذه النفقات، لكن يجب التعامل معه كتقدير معيشي وليس كعتبة رسمية، لأن الكلفة تختلف بشدة بحسب مكان السكن، وملكية المنزل أو استئجاره، وعدد الأولاد ونوع المدرسة والحالة الصحية للأسرة.

ماذا يعني ارتفاع الأسعار بأكثر من 400%؟

الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة.

فالارتفاع التراكمي المقدر بنحو 410% منذ نهاية 2022 حتى آب 2026 يعني أن المستوى العام للأسعار أصبح نحو 5.1 أضعاف مستواه عشية 2023.

لكن إذا اعتُمد كانون الثاني 2023 نفسه نقطة البداية، تنخفض الزيادة إلى نحو 371%.

وهذا أدق من القول إن «التضخم بلغ 410%»، لأن التضخم السنوي شيء والارتفاع التراكمي في مستوى الأسعار عبر سنوات عدة شيء آخر.

كما لا يعني ذلك أن كل سلعة ارتفع سعرها 410%، أو أن كل أسرة خسرت النسبة نفسها من قدرتها الشرائية. فالسلع والخدمات تحركت بنسب مختلفة، كما أن دولرة أجزاء من الاقتصاد واستقرار سعر الصرف لاحقاً أحدثا اختلافاً كبيراً بين الأسر بحسب مصدر دخلها.

لكن بالنسبة إلى الموظف الذي يتقاضى دخله بالليرة ولم يرتفع راتبه بما يوازي ارتفاع الأسعار، فإن النتيجة العملية واضحة: راتبه يشتري اليوم جزءاً أصغر بكثير مما كان يشتريه قبل سنوات قليلة.

لبنان خرج من التضخم الثلاثي الأرقام.. لكنه لم يخرج من الغلاء

هذه هي المفارقة الأساسية في اقتصاد لبنان في أيلول 2026.

لم يعد البلد يسجل تضخماً سنوياً يفوق 200% كما حدث خلال 2023، لكن الأسعار التي ارتفعت خلال سنوات الأزمة لم تعد إلى الوراء.

التضخم الرسمي لا يزال عند 16.66% سنوياً وفق أحدث بيانات آب، بينما تستمر الأسر في التعامل مع مستوى أسعار تراكم فوق زيادات ضخمة حدثت أصلاً خلال السنوات السابقة.

ويمكن اختصار المشهد بمجموعة أرقام شديدة الدلالة:

أكثر من 400% ارتفاعاً تراكمياً في المستوى العام للأسعار مقارنة بنهاية 2022.

نحو 104 ملايين ليرة متوسطاً شهرياً لكلفة معيشة أسرة من أربعة أفراد وفق التقدير المشار إليه.

28 مليون ليرة فقط حداً أدنى للأجور.

نحو 24% تراجعاً في عدد معاملات المبيع العقاري خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.

ونحو 340 مدرسة متضررة أو مدمرة وفق التقييم الأولي المنشور في أيلول.

وبين هذه الأرقام تظهر المشكلة الحقيقية: لبنان لا يواجه أزمة أسعار فقط، بل أزمة فجوة بين الدخل وكلفة الحياة.

فإذا كانت الأسرة تحتاج إلى نحو 100 مليون ليرة شهرياً أو أكثر لتغطية أساسياتها، بينما لا يغطي راتبان عند الحد الأدنى سوى قرابة نصف هذه الكلفة، يصبح السؤال الاقتصادي الأكثر إلحاحاً مختلفاً تماماً:

ليس كم ارتفعت الرواتب، بل كم بقي من قيمتها الفعلية بعد دفع ثمن الغذاء والسكن والكهرباء والنقل والتعليم؟

المصادر

إدارة الإحصاء المركزي اللبنانية – مؤشر أسعار الاستهلاك.

البنك الدولي – Lebanon Economic Monitor وبيانات الاقتصاد اللبناني.

صندوق النقد الدولي – أحدث تقييماته وتحديثاته المتعلقة بالاقتصاد اللبناني.

وزارة التربية والتعليم العالي – مستجدات العام الدراسي 2026-2027.

اليونيسف – بيانات أثر التطورات الأخيرة على الأطفال والمدارس في لبنان.

Credit Libanais – بيانات حركة المعاملات العقارية.

الدولية للمعلومات – تقديرات كلفة معيشة الأسرة اللبنانية.

لبنان تحت ضغط المعيشة: الأسعار تقفز بأكثر من 400% منذ مطلع 2023 والتعليم والنقل والعقار في قلب الأزمة

lebanonpress.xyz — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى