العرب والعالم

من هرمز إلى باب المندب: الشرق الأوسط أمام اتساع رقعة الصراع واختبار جديد للدبلوماسية

يدخل الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية مع تزامن التصعيد الأميركي–الإيراني واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، واتساع المواجهات في اليمن إلى حدود السعودية والبحر الأحمر، واستمرار التوتر في غزة، في وقت تتحرك فيه قوى دولية وإقليمية لمنع تحول الأزمات المتفرقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

ولا تبدو التطورات الراهنة مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة؛ فاضطراب هرمز يضغط على أسواق الطاقة، والتصعيد اليمني يضع باب المندب والمنشآت السعودية تحت ضغط إضافي، بينما تتحرك واشنطن وبكين ودول الخليج على مسارات سياسية وعسكرية متوازية بحثاً عن صيغة تمنع انفلات المشهد.
من هرمز إلى باب المندب: الشرق الأوسط أمام اتساع رقعة الصراع واختبار جديد للدبلوماسية

هرمز يعود إلى قلب المواجهة

أعلن الحرس الثوري الإيراني، وفق وسائل إعلام رسمية إيرانية، أن قواته استهدفت ناقلة نفط ترفع علم توغو أثناء محاولتها المرور عبر مضيق هرمز، في أحدث حلقة من سلسلة حوادث طالت حركة الملاحة في الممر البحري الحيوي.

وتؤكد بيانات حركة السفن أن الأزمة لم تعد محصورة في التهديدات السياسية؛ إذ لم تعبر المضيق يوم الخميس سوى أربع سفن تجارية محملة بالسلع، مقارنة بمتوسط بلغ 16 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة السابقة، وفق بيانات «كبلر» التي نقلتها رويترز.

ويكتسب هرمز ثقله من كونه أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ما يجعل أي تراجع طويل في حركة الناقلات عاملاً مباشراً في زيادة مخاطر الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة.

ترامب يلوّح بتصعيد جديد… والحديث عن المفاوضات مستمر

في واشنطن، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستوى الخطاب بشأن إيران، قائلاً في تصريحات نقلتها تقارير إعلامية إنه يواجه «قراراً كبيراً» بشأن إمكان استئناف هجمات عسكرية واسعة ضد طهران. وفي المقابل، قال قبل ذلك بأيام إنه يأمل أن تكون الحرب «في طريقها نحو النهاية»، بالتزامن مع التحضير لمحادثات مع قادة دول الخليج على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتكشف هذه التصريحات عن مسارين أميركيين يعملان في الوقت نفسه: إبقاء خيار التصعيد العسكري مطروحاً، مع محاولة استخدامه كورقة ضغط بالتوازي مع فتح قنوات سياسية للوصول إلى ترتيبات جديدة مع إيران.

أما طهران فتعلن استعدادها للحوار شرط ضمان ما تصفه بحقوقها وسيادتها، في حين لا تزال قضية الملاحة في هرمز والعقوبات والبرنامج النووي في قلب الخلافات بين الطرفين.

تقرير أممي يفتح ملف الانتهاكات

وفي تطور ذي بعد قانوني وسياسي، قالت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران إن لديها «أسباباً معقولة للاعتقاد» بأن ضربات أميركية استهدفت مدرسة في ميناب ومنشأة رياضية في لامرد في شباط/فبراير قد ترقى إلى جرائم حرب بسبب طبيعة الأهداف والخسائر المدنية.

وفي التقرير نفسه، قالت البعثة إن لديها أيضاً أدلة على ارتكاب السلطات الإيرانية جرائم ضد الإنسانية في سياق قمع الاحتجاجات الداخلية، بما في ذلك عمليات قتل غير قانونية وتعذيب واعتقالات تعسفية. وهذه استنتاجات صادرة عن بعثة أممية لتقصي الحقائق وليست أحكاماً قضائية نهائية.

ويمثل التقرير ضغطاً إضافياً على طرفي الصراع، لأنه ينقل جانباً من المواجهة من الميدان العسكري إلى النقاش القانوني الدولي حول قواعد الاشتباك وحماية المدنيين.

السعودية تدخل مرحلة تسليح جديدة

بالتزامن مع التصعيد، وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة محتملة بقيمة 24.3 مليار دولار لبيع السعودية 48 مقاتلة F-35 و49 محركاً إضافة إلى معدات وخدمات دعم، لكن الصفقة لا تزال تحتاج إلى المرور بالإجراءات المطلوبة أمام الكونغرس الأميركي.

وإذا اكتملت الصفقة، فستشكل تحولاً كبيراً في بنية القوة الجوية السعودية، كما ستفتح نقاشاً داخل الولايات المتحدة بشأن سياسة واشنطن التقليدية المتعلقة بالمحافظة على ما تسميه «التفوق العسكري النوعي» الإسرائيلي في المنطقة.

ويأتي التحرك السعودي في وقت تواجه فيه المملكة تحديات متزايدة مرتبطة بالتصعيد في اليمن والهجمات على البنية التحتية للطاقة، ما يعيد ملف الدفاع الجوي والقدرات الهجومية بعيدة المدى إلى صدارة الأولويات الأمنية الخليجية.

اليمن يعود إلى واجهة الصراع الإقليمي

وعلى الضفة الأخرى من الجزيرة العربية، تتسارع التطورات العسكرية في اليمن بعد اتساع المواجهة بين قوات أنصار الله (الحوثيين) والقوات اليمنية والسعودية.

وخلال الأيام الأخيرة تبادل الطرفان هجمات عبر الحدود، فيما أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيرة جنوب مكة. وقال الحوثيون إنهم لم يستهدفوا مكة أو المواقع الدينية، بينما أعلنوا مسؤوليتهم عن هجمات أخرى ضد أهداف سعودية.

وفي الوقت ذاته، تسببت المواجهات الجديدة بموجة نزوح واسعة. وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن ما لا يقل عن 112 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، بينما فر نحو ثلاثة آلاف شخص بحراً إلى جيبوتي، وسط استعدادات لاستقبال أعداد إضافية إذا استمر القتال.

ولا يقتصر البعد الاستراتيجي للتطورات اليمنية على الحدود السعودية؛ فالقتال امتد إلى مناطق الساحل الغربي القريبة من باب المندب، ما يضع ثاني أهم ممر بحري مرتبط بأزمة الطاقة الإقليمية تحت ضغط متزايد بالتزامن مع اضطراب هرمز.

وهنا تكمن إحدى أخطر سمات المرحلة الحالية: الضغط لا يتركز على ممر بحري واحد، بل يمتد بين هرمز شرقاً وباب المندب غرباً، وهما من أكثر نقاط الاختناق حساسية في حركة الطاقة والتجارة العالمية.

الصين تحاول منع انتقال النار إلى البحر الأحمر

وسط هذا المشهد، دخلت بكين بثقل أكبر على خط الوساطة. ودعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس والعودة إلى المفاوضات، مطالباً باتخاذ إجراءات تسمح باستعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز.

كما حذرت الصين من امتداد التوتر إلى اليمن والبحر الأحمر، معتبرة أن بنية الأمن الإقليمي الحالية أثبتت عدم كفايتها وتحتاج إلى إعادة صياغة.

وتأتي التحركات الصينية قبل لقاء مرتقب بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وترامب في واشنطن، حيث يُنتظر أن يكون الملف الإيراني من بين القضايا الرئيسية على جدول المحادثات.

غزة تبقى جبهة مفتوحة

وفي غزة، استمرت الغارات الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وسط تبادل الاتهامات بين إسرائيل وحماس بانتهاك الاتفاق.

وأفادت مصادر طبية فلسطينية ومصادر في حماس بمقتل عدد من الفلسطينيين في غارات خلال الأيام الأخيرة، من بينهم أطفال وأحد قادة حماس، فيما أكدت القوات الإسرائيلية استهداف أحد قادة الحركة.

وبذلك تبقى غزة جزءاً من شبكة الأزمات الإقليمية حتى وإن تراجع مستوى العمليات مقارنة بالمراحل الأكثر حدة من الحرب.

أزمة دبلوماسية حول المشاركة الفلسطينية في الأمم المتحدة

دبلوماسياً، قررت الولايات المتحدة للعام الثاني على التوالي عدم منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وعزت واشنطن القرار إلى سياسات السلطة الفلسطينية وتحركاتها القانونية والدبلوماسية الدولية.

ورداً على ذلك، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 152 دولة لمصلحة السماح لعباس بإلقاء كلمته عبر الفيديو والمشاركة عن بُعد في فعاليات الأمم المتحدة إذا تعذر عليه السفر إلى الولايات المتحدة.

سوريا وروسيا: إعادة ترتيب الوجود العسكري

وفي سوريا، تشير التحركات الأخيرة إلى إعادة تنظيم العلاقة العسكرية بين دمشق وموسكو بعد الاتفاق الجديد الذي توصل إليه الطرفان في آب/أغسطس.

وأظهرت بيانات وصور أقمار صناعية وصول قافلة بحرية روسية إلى طرطوس وإمداد منشآت مرتبطة بقاعدة حميميم، في أول عملية من هذا النوع منذ الاتفاق الجديد، الذي ينص على تحويل بعض المواقع العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب مشتركة مع استمرار وجود روسي في البلاد.

ويؤكد ذلك أن روسيا، رغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، لا تزال تسعى إلى الاحتفاظ بموطئ قدم عسكري واستراتيجي على الساحل السوري وشرق البحر المتوسط.

الإقليم أمام معادلة جديدة

المشهد الذي يتشكل في الشرق الأوسط لا تحكمه جبهة واحدة. الصراع الأميركي–الإيراني بات متشابكاً مع أمن الطاقة والملاحة الدولية، واليمن عاد ليحتل موقعاً مركزياً في الحسابات الإقليمية، والسعودية تتحرك لتعزيز قدراتها العسكرية، فيما تحاول الصين توسيع دورها الدبلوماسي، وتبقى ملفات غزة وسوريا ولبنان حاضرة في خلفية المشهد.

الأهم أن هرمز وباب المندب باتا في الوقت نفسه جزءاً من معادلة الصراع. وفي حال استمر الضغط على الممرين، لن تبقى التداعيات محصورة في ساحات القتال، بل ستنتقل مباشرة إلى أسعار النفط والنقل والتأمين والتضخم وسلاسل الإمداد العالمية.

لهذا، تبدو الأسابيع المقبلة مرتبطة بثلاثة اختبارات رئيسية: قدرة واشنطن وطهران على تحويل قنوات الاتصال إلى مفاوضات فعلية، مسار المواجهة السعودية–اليمنية، وإمكان إعادة قدر من الاستقرار إلى الملاحة في هرمز وباب المندب.

وفي غياب تقدم على هذه المسارات، سيبقى الشرق الأوسط أمام خطر تحول مجموعة من الأزمات المتزامنة إلى منظومة صراع إقليمي مترابطة، حيث يمكن لأي حادث عسكري في مضيق أو حدود أو منشأة للطاقة أن يترك أثراً يتجاوز المنطقة بأكملها.

lebanonpress.xyz — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى